ابن عربي

188

فصوص الحكم

قال تعالى « ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ : ومن يُؤْتَ ( 1 ) الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً » . فلقمان بالنص ذو ( 2 ) الخير الكثير بشهادة الله تعالى له بذلك . والحكمة قد تكون متلفظاً بها ومسكوتاً عنها مثل قول ( 3 ) لقمان لابنه « يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أَوْ في السَّماواتِ أَوْ في الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا الله » . فهذه حكمة منطوق بها ، وهي أن جعل الله هو الآتي بها ، وقرر ذلك الله في كتابه ، ولم يردّ هذا القول على قائله . وأما الحكمة المسكوت عنها وعُلِمَتْ بقرينة الحال ، فكونه سكت عن المؤتَى إليه بتلك الحبة ، فما ذكره ، وما قال لابنه يأت بها الله إليك ولا إلى غيرك . فأرسل الإتيان عاماً وجعل المؤتَى به في السماوات إن كان أو في الأرض تنبيهاً لينظر الناظر ( 4 ) في قوله « وهُوَ الله في السَّماواتِ وفي الأَرْضِ » . فنبه لقمان بما تكلم وبما سكت عنه أن الحق عين كل معلوم ، لأن المعلوم أعم من الشيء فهو أنكر النكرات . ثم تمم الحكمة واستوفاها لتكون النشأة كاملة فيها فقال « إِنَّ الله لَطِيفٌ ( 5 ) » فمن لطفه ولطافته أنه في الشيء المسمى كذا المحدود بكذا عينُ ذلك الشيء ، حتى لا يقال فيه إلا ما يدل عليه اسمه بالتواطؤ والاصطلاح . فيقال هذا سماء وأرض وصخرة وشجر ( 6 ) وحيوان وملك ورزق وطعام . والعين واحدة من كل شيء وفيه . كما تقول الأشاعرة إن العالم كله متماثل بالجوهر : فهو جوهر واحد ، فهو عين قولنا العين واحدة . ثم قالت ويختلف بالأعراض ، وهو قولنا ويختلف ويتكثر بالصور والنسب حتى يتميز فيقال هذا ليس هذا من حيث صورته أو عرضه أو مزاجه كيف شئت فقل . وهذا عين هذا من حيث جوهره ، ولهذا

--> ( 1 ) « ا » و « ن » : أوتي - ب : أسقط الجزء المتوسط من الآية ( 2 ) ب : هو ذو ( 3 ) من قوله : « ذو الخير » إلى قوله « قول » ساقط في ن ( 4 ) ب : المناظر ( 5 ) ن : لطيف خبير . ب : اللَّه لطيف من غير إن ( 6 ) ا : وشجرة .